الشخص

الشخص

الدرس: الشخص

المقرر الرسمي – الفلسفة – الثانية باكالوريا (مسلك الآداب والعلوم الإنسانية)
المحاور المقررة: الوجود والزمان

مقدمة إشكالية

هل يكفي أن نمتلك جسدًا ووعيًا لكي نُعتبر أشخاصًا؟
إذا كان الإنسان كائنًا حيًّا، فما الذي يجعله شخصًا متميّزًا عن باقي الكائنات؟
هل الشخص هو مجرّد فرد بيولوجي، أم أنه كيان أخلاقي وقانوني يتحمّل المسؤولية ويتّصف بالكرامة؟

تتجلّى أهمية مفهوم الشخص في كونه يشكّل أساس الحقوق والواجبات في المجتمع: فالقانون لا يعاقب "الكائن"، بل الشخص المسؤول؛ والأخلاق لا تُطالب "الجسد"، بل الذات الواعية.
لكن ما المعايير التي نُحدّد بها الشخص؟ هل هو الاستمرارية؟ الوعي؟ الحرية؟ أم الاعتراف الاجتماعي؟

عرض المفهوم وتحليله

1. الشخص في اللغة والاصطلاح

  • لغويًّا: مشتق من اللاتينية persona (قناع الممثل في المسرح الروماني)، ثم تحوّل إلى معنى "الذات المميّزة".
  • اصطلاحًا:
    الشخص هو كائن واعٍ، حرّ، مسؤول، يمتلك هوية ثابتة نسبيًّا عبر الزمن، ويُعترف له بكرامة وحقوق.

ملاحظة: لا يتطابق مفهوم "الشخص" مع مفهوم "الفرد":

  • الفرد: كائن بيولوجي/اجتماعي (يمكن عدّه: فرد، فردان...).
  • الشخص: كيان روحي-أخلاقي، لا يُختزل في جسده أو وظيفته.

2. شروط الشخص عند الفلاسفة

أ) الوعي والهوية عند جون لوك

يرى لوك أن الشخص هو كائن واعٍ بذاته عبر الزمن.

"الشخص هو كائن فكّير واعٍ، يستطيع أن ينسب إلى نفسه أفكارًا وأفعالًا في أزمنة مختلفة."
  • الشرط الأساسي: استمرارية الوعي (ذاكرة ذاتية).
  • مثال: لو فقد إنسان ذاكرته تمامًا، فهل يبقى هو ذات الشخص؟ عند لوك: لا — لأن الهوية الشخصية مرتبطة بالوعي لا بالجسم.

✅ الإشكال: هل تكفي الذاكرة لتأسيس الشخص؟ ماذا لو كانت الذاكرة خاطئة أو مُزيّفة؟

ب) الذات والعلاقة بالآخرين عند كانط

عند كانط، الشخص ليس مجرّد ظاهرة طبيعية، بل ذات عقلانية حرة، تملك:

  • الاستقلالية (التشريع الذاتي للقانون الأخلاقي)،
  • الكرامة (لا يُستعمل كوسيلة، بل كغاية في ذاته).
"تصرّف دائمًا بحيث تعامل الإنسانية — في شخصك أو في شخص أي إنسان آخر — كغاية، وأبدًا كوسيلة فقط."

→ الشخص عند كانط هو ذات مُلزمة أخلاقيًّا، ومسؤوليته تنبني على حريته العقلانية.

ج) الشخص ككائن اجتماعي (ديكارت، ميرلو-بونتي، ريكور)
  • ديكارت: "أنا أفكر، إذن أنا موجود" — الشخص كـ ذات مفكّرة (cogito)، لكنه يختزل الشخص في العقل (انفصام بين العقل والجسد).
  • ميرلو-بونتي: ينتقد هذا الانفصام، ويُعيد الاعتبار (corps vécu): الشخص لا يملك جسدًا فحسب، بل هو جسده في علاقته بالعالم.
  • ريكور: الشخص ليس "جوهرًا"، بل سردًا (récit): نصوغ شخصيتنا عبر سرد حياتنا (الهوية السردية).
    "الذات لا تُعطى، بل تُبنى عبر الزمن والاعتراف."

3. الشخص بين الثبات والتغيّر

هل يظل الشخص واحدًا رغم تغيّر جسده وأفكاره؟

  • الجواب الفلسفي: نعم — بفضل الاستمرارية النفسية (الذاكرة، النية، الوعي)، لا بفضل الثبات المادي.
  • مثال: شخص يكبر من طفولة إلى شيخوخة — جسده يتغيّر تمامًا، لكنه يبقى "هو" بفضل استمرارية ذاته الواعية.

4. الشخص والاعتراف (أهمية البُعد الاجتماعي)

لا يمكن أن يوجد شخصٌ خارج شبكة الاعتراف:

  • هغل في "جدلية السيد والعبد": الحاجة إلى اعتراف الآخر لتأسيس الذات.
  • ريكور: الشخص يحتاج إلى اعتراف (reconnaissance) من الآخرين ليتحوّل من "ذات" إلى "شخص".
    → الاسم، الحقوق، المسؤولية… كلها تُمنح عبر الاعتراف الاجتماعي والقانوني.

إشكالات محورية (للاستثمار في التحليل أو المقال)

  1. هل يمكن أن يكون الحيوان أو الذكاء الاصطناعي "شخصًا"؟
  2. ما مصير الشخص في حالات فقدان الوعي (غيبوبة، تصلّب جانبي ضموري…)؟
  3. هل الشخص حرّ حقًّا، أم أن بيولوجيته ومجتمعه يحدّدانه؟
  4. هل الهوية الشخصية فردية محضة، أم أنها تتشكّل في مرآة الآخرين؟

خاتمة تركيبية

الشخص ليس كائنًا بيولوجيًّا فحسب، بل كيانًا معقّدًا يجمع بين:

  • البعد الذاتي (الوعي، الذاكرة، الحرية)،
  • البعد الأخلاقي (المسؤولية، الكرامة)،
  • البعد الاجتماعي (الاعتراف، الحقوق، الاسم).

ومن هنا، فإن احترام الشخص لا يقتصر على احترام جسده، بل يمتدّ إلى احترام ذاتيته، حريته، وسرديته.
ويبقى السؤال الفلسفي مفتوحًا:

هل نخلق أنفسنا أشخاصًا، أم أننا نُخلق أشخاصًا؟


✅ ملاحظة: لا يُطلب من التلميذ حفظ النصوص، بل فهم أطروحاتها وتوظيفها في التحليل والمناقشة.

تمارين تطبيقية مقترحة

  1. حلّل العبارة التالية: "الشخص هو ذلك الكيان الذي لا يمكن اختزاله في مجموع خصائصه."
  2. ناقش: "إذا فقد الإنسان ذاكرته، هل يفقد شخصيته؟"
  3. قارن بين مفهوم الشخص عند لوك وكانط.